محمد حسين علي الصغير

26

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

يرى أنه ليس كما يتأولون ، وإنما أراد أنه يجعل لهم في قلوب العباد محبة ، فأنت ترى المخلص المجتهد محببا إلى البر والفاجر ، مهيبا ، مذكورا بالجميل ، ونحوه قول اللّه سبحانه وتعالى في قصة موسى عليه السّلام : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي « 2 » ، لم يرد في هذا الموضوع أني أحببتك ، وإن كان يحبه ، وإنما أراد أنه حببه إلى القلوب ، وقرّبه من النفوس ، فكان ذلك سببا لنجاته من فرعون ، حتى استحياه في السنة التي يقتل فيها الولدان « 3 » . ويستمر ابن قتيبة في عمليتي الاستنباط والاستدلال عليه من خلال ذائقته الفنية ، وتمرسه في طلاقة البيان العربي ، فيذهب بالمجاز إلى أبعد حدوده الاصطلاحية ، وكأنه فنّ قد تأصّل من ذي قبل ، وهذا من مميزات ابن قتيبة في استقراء البعد المجازي . ولعل من طريف ما استدلّ عليه بسجيته الفطرية قوله تعالى : وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً 9 « 4 » . فيذهب أن ليس السبات هنا النوم ، فيكون معناه فجعلنا نومكم نوما ، ولكن السبات الراحة ، أي جعلنا النوم راحة لأبدانكم ، ومنه قيل : يوم السبت ، لأن الخلق اجتمع يوم الجمعة ، وكان الفراغ منه يوم السبت ، فقيل لبني إسرائيل : استريحوا في هذا اليوم ، ولا تعملوا شيئا ، فسمي يوم السبت ، أي : يوم الراحة . وأصل السبت التمدد ، ومن تمدد استراح ، ومنه قيل : رجل مسبوت ، يقال : سبتت المرأة شعرها ، إذا نفضته من العقص وأرسلته ، ثم قد يسمى النوم سباتا ، لأنه بالتمدد يكون « 5 » . بهذا التذوق الدلالي ، والنظر الموضوعي ، فهم ابن قتيبة مجاز القرآن ، فهل كان من المؤصلين له ، هذا ما اعتقده بحدود غير مبالغ فيها ، شاهدها عشرات الصفحات في تأويل مشكل القرآن وقد خصصها لمجاز

--> ( 2 ) طه : 39 . ( 3 ) ظ : ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن . ( 4 ) النبأ : 9 . ( 5 ) ظ : ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن .